صديق الحسيني القنوجي البخاري

264

أبجد العلوم

على غير مراده ، ويصلح بين الخصمين من دون تراضيهما ، ويأتي في ذلك بما يمجه الطبع السليم ويطيب الانكار عليه . ومن العلوم العادية أن المذاهب المختلفة المتقاربة في الدلائل وثاقة وركاكة ، التي يبتنى عليها النظام المحسوس ابتناء صحيحا ، ويدفع عنها النقوض الموردة دفعا غير سمج ، ليست بعيدة عن الواقع كل البعد ولا كاذبة على الاطلاق ولاحقة بكل نقير وقطمير من فروعها وأصولها وإن كان بعضها أكثر موافقة من بعض ، فإذا تصفحنا عنها بالتعمق في مأخذها والتأمل في كيفيات أخذها ودرك أغراض مدونيها ودرجات فهومهم عرفنا منشأ الاختلاف وموضع الالتباس وموطن الحكاية والتمييز بين المتيقن والمظنون بتوفيق اللّه سبحانه وعنايته . نكتة : العقل أصل طرق الاكتساب لا غنية للنقل والكشف والحس عنه ، بل هو الحاكم بها والعامل فيها والمميز بين أقسامها ومراتبها ، وحكمه عام من حيث الادراك والقبول ، وإن كان قد يقصر عن بعضها من حيث التحصيل والوصول . وقولهم : طور وراء طور العقل ، يعنون به القواعد التي مهدها الملقبون بأصحاب العقل أو انفراده بلا انضمام ومعاونة من غيره ، وأصحابه متفاوتون فيما بينهم بالحدس والتجربة . فمنهم : من يكون استحضاره للمبادئ أكثر ، وانتقاله إلى اللوازم أبعد ، وتعمقه في روابط الانتقال أحدّ ، ويكون وقائعه أوفر ، وشغله أمدّ ، وحسه أجود ، وتفطنه للأمور المشتركة من العلل والأحكام واختلاف مأخذه أشد ، ونظره إلى الواقع أوصل ، ومخالفة المألوف عليه أسهل ومنهم دون ذلك . والنقل إذا ثبت عن الأنبياء عليهم السلام فهو أقوى ، وأصحابه متفاوتون فيما بينهم رواية ودراية . فمنهم أصح سندا ، وألقى أساتذة ، وأحذق تعليما ، وأصدق مخبرا ، وأنقى بدعا ، وأكثر متنا ، وأوضح لفظا ، وأضبط سماعا ، وأكمل حفظا ، وأزيد شيوخا ، وأمدّ رحلة ، وأفقه فهما . ولترجيح الأسانيد وأسباب الجرح عندهم وجوه مختلفة ، ومنهم دون ذلك . والكشف إذا تم فهو أوسعها ، وأصحابه يتفاوتون بينه جدا في التطلع على العوالم الحاضرة لديهم والغناء في الرقوم المستجنة فيهم . فمنهم من يتمثل له لطائف الجسمانيات كالملائكة السفلية والشياطين والجن ، أو الحقائق المثالية على طبقاتها ، تارة للهداية وتارة للإضلال ، أو الحقائق الروحانية على